Prof. Dr. Ahmed Yousif Ahmed Al Draiweesh
Saudi Arabia and Pakistan

Dr. Al-Draiweesh is an Islamic scholar of impeccable academic credentials, a public intellectual of high moral and professional integrity. As the President of the International Islamic University, Islamabad, a great ambassador of goodwill between the Kingdom of Saudi Arabia and Pakistan.

Search
Language Switcher
Archives
أخبار عربية

العم الفقيد

By on February 9, 2019

لاشك أن الموت حق، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الموت باب وكل الناس داخله، وأنه إذا جاء الأجل وأراده الله فلا مفر منه ولا تقديم فيه ولا تأخير عنه، قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. . وقوله سبحانه وتعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} . . ويقول سبحانه وتعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}. . وأنه مهما تعددت الأسباب فالموت واحداً . .

فهو لا يفرق بين كبير ولا صغير ولا شيب ولا شايب ولا ذكر ولا أنثى ولا حاضر ولا غائب ولا قريب ولا بعيد ولا أخ ولا صديق ولا جار ولا زميل . .

لقد فجعت بوفاة العم/ سليمان بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن دريويش آل دريويش، الوجيه العابد الصالح النسابة ذو الرأي الصائب، والعقل الثاقب والكرم والوفاء . . وذلك مساء يوم الخميس 25/5/1440هـ 31/1/2019م . . عن عمر يناهز (100 عام) حيث كانت ولادته ــ رحمه الله ــ كما أفصح عنها في عام 1341هـ أي قبل واقعة (السبلة) المشهورة بست سنوات، حيث كانت الواقعة في 1347هـ وكان آباؤنا وأجدادنا يؤرخون في الغالب بالوقائع والحوادث والظواهر قبلاً وبعداً أو في نفس السنة . .

وكان والدي ــ رحمه الله ــ (يوسف بن أحمد الدريويش) المتوفي في شهر صفر من عام 1433هـ والمولود في عام 1345هــ، يذكر أن أخاه (سليمان بن أحمد الدريويش) كان يكبره سناً بسنتين أو ثلاث سنوات . . وبهذا يكون عمر العم حين وفاته (99 سنة) كانت حافلة بالعمل الصالح والعبادة والكدّ والكدح والتنقل لطلب العيش في بعض مدن المملكة  وأريافها وهجرها وقراها . .

وقد بدأ حياته كحال أبناء عصره في الدراسة في الكتاتيب لتعلّم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب . . فأتم ختم القرآن الكريم، وحفظ بعضاً من أجزائه وسوره . . وتعلم ما يجب أن يتعلمه من الدين بالضرورة وعلوم الشريعة لاسيما (التوحيد، والحديث، والفقه) ونظراً لحاجة والده الجد/ أحمد بن محمد الدريويش ــ رحمه الله ت 1356هـ ) لمساعدته على طلب العيش، اكتفى بما تعلّمه، ورحل في طلب المعيشة مع بعض إخوانه وأقرانه وجماعته، ولم يكمل تعليمه كحال بقية إخوانه من أعمامي . . وبعد وفاة والده ــ رحمه الله ــ استمر في الطلب والتحصيل للرزق حتى رأى في بلدة (قبة) مكاناً للاستقرار، ومقراً لطلب المعيشة والتجارة بيعاً وشراء، كما اشتغل بتربية المواشي (الأغنام) وقد ساعده على ذلك خصوبة أرضها وقربها من المراعي والأودية الصالحة للرعي.. ولحداثة تهجيرها، فهي مأوى ومقصد للبادية ممن هم يقطنون حولها، أو يمرون فيها . .

إذاً استقر به المقام حيناً من الدهر في بلدة (قبة) من قرى وارياف منطقة القصيم حيث تبعد 141 كم شمال شرقها وهي تابعة لمحافظة الأسياح . . ثم عاد إلى الاستقرار في موطنه الأصلي ومسقط رأسه وبلد آبائه وأجداده (الزلفي) بعد أن كبر سنه، ورقّ عظمه وذلك قبل ما يقرب من (15 سنة) من وفاته . . وإن كان يتردد عليها حناناً ومحبّة وألفة وتجارة أو بيعاً وشراء . . حيث ما زال بيته فيها قائماً ومزرعته موجودة، وأغنامه التي يحرص عليها ترعى في ربوعها وأوديتها ووهادها ورياضها..

أعود لأقول أن العم/ سليمان ــ رحمه الله ــ كان والداً للجميع فتح قلبه وبيته سواء في الزلفي، أو لما كان في بلدة (قبة) لأهله وأسرته وعشيرته وحمولته ومعارفه وجيرانه وضيوفه ومرتاديه يستقبلهم بالترحيب وتقديم الميسور من المأكول والمشروب، ويأويهم سكناً وإقامة . .

وكان يعتمد على نفسه في قيادة سيارته حتى لما كبر سنه وضعف بصره وانتقل إلى بلده استمر في القيادة لكن اقتصر على الذهاب عليها للمسجد أو السوق أحياناً باعتبار الطريق لهما سالك ومعروف . .

وبعد وفاة العم/ محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الدريويش ــ رحمه الله ــ 1421هـ تم ترشيحه وتنصيبه عمدة للعائلة أو الحمولة ومسؤولاً عن تكافل أفرادها وتضامنهم، ورعاية شؤونهم وجمع كلمتهم على الحق والخير والصلة والرشاد . . كما أسهم إسهاماً مباشراً في شراء أرض وبناء قاعة عليها أطلق عليها (قاعة المعالي) شمال الزلفي على طريق الثوير . . لتكون ملتقى دورياً وسنوياً للحمولة أو عائلة (آل دريويش) الذين يقدمون للمشاركة والحضور من كافة أنحاء المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي . . وقد أدى ــ رحمه الله ــ ما عليه حسب وسعه وطاقته وإمكاناته وسنّه يعاونه ويساعده بعض أولاده لاسيما ابنه الأكبر/  أحمد بن سليمان الدريويش، وابنه/ إبراهيم بن سليمان الدريويش، الذي كان يجله ــ رحمه الله ــ ويعتمده عليه كثيراً، ويوصي به خيراً، والذي قام بوالده ورعاه وكان نعم الابن والمعين والناصر له، بل كان عنده حتى آخر لحظات حياته، وأنزله ونزل معه إلى قبره حتى دفنه ــ رحمه الله ــ فجزاه الله خيراً ..

وهكذا ينبغي بل يجب أن يكون عليه الأولاد ذكوراً وإناثاً بارين بآبائهم، ومطيعين لهم ومصاحبين لهم بالمعروف . . وأحسب أن بقية أولاد العم سليمان ــ رحمه الله ــ هم على هذه الشاكلة ــ (سعود، وعبد الرحمن، ومحمد، وعبد العزيز، وخالد، ونايف، ويوسف، وعبد اللطيف . . ) وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ــ . .

لقد بدأ العم/ سليمان حياته ملازماً لوالده، ثم عمل جمّالاً وضارباً في الأرض . . وكان حافظاً للوقائع التي وقعت في عصره بخاصة، ذو ذاكرة قوية، وحافظة فريدة . . وقد ساعده على هذا معايشته وإقامته بين أهل الوَبَرِ وفي مضارب البادية، ومعاشرته ومجالسته لرجالاتها بما يحملونه من تاريخ وقصص وروايات وبطولات، ومالهم من سابقة في الشجاعة والإقدام والصبر والتحمل والجلد، وسداد الرأي، وثقابة البصيرة، والكرم والوفاء والغيرة والمحافظة على القيم والعادات والأعراف . .

وقد عايشته كثيراً، وجالسته منذ أن كنت شاباً يافعاً وهو مقيم في بلدة (قبة) حيث كنت أزوره وبخاصة مع والدي ــ رحمه الله ــ ثم بعد  إقامته في سِنِيَّهِ الأخيرة في مدينة الزلفي . . وكلما أراه أو أشاهده أو أدخل عليه أو اجتمع به أو التقي فيه أجد راحة كبيرة، حيث أجد فيه ملامح والدي ــ لاسيما بعد وفاته ــ وصفاته وهدوئه وحكمته وحنكته وصلاحه وتقواه، وآثار العبادة والسجود على جبينه وفي مُحياه، مما يزيدني محبة وتوقيراً له وارتياحاً إليه، وإحساساً بحنان أبوته ــ رحمهما الله تعالى وأسكنهما الفردوس الأعلى من الجنة آمين ــ . . فاستفدت منه واستزدت من معارفه وعلومه ورواياته وبخاصة ما يتعلق بالعائلة والحمولة والأهل والمعارف وجماعتنا في الزلفي، كما استفدت منه بخاصة فيما يتعلق بروايته وحفظه لبعض الوقائع التاريخية التي وقعت في بلادنا قبل توحيدها على يد القائد المظفر الملك/ عبد العزيز بن  عبد الرحمن آل سعود ــ رحمه الله ــ وكذا بعد التوحيد والتأسيس . . حيث عايش ــ رحمه الله ــ فترة التوحيد والتأسيس، وأسهم مع والده وأعمامه وإخوانه في ذلك دعماً مباشراً لولاة أمره، ودعماً لوجستياً غير مباشر لهم، فلسانه دائماً يلهج بالثناء على ولاة أمره وشكر الله على أن مَنَّ على هذه البلاد المباركة الطاهرة بهذه الولاية الحكيمة وبالأمن والأمان والاستقرار والوحدة والاتحاد، مشيّداً ببطولات الملك عبد العزيز ــ رحمه الله ــ وحنكته وحكمته ويروي في ذلك القصص والمآثر الاستشهادية الكثيرة . . وبخاصة أنه قد عايش ما قبل التوحيد والتأسيس وسمع عن ذلك وعاش بين أبناء البادية وتنقل بين القرى والبوادي وشاهد بعينه ما يحصل حينذاك من إخلال بالأمن ونهب وسلب وقطع للطريق ثم ما كانت عليه الحال ــ بحمد الله ــ وتبدلها بعد التوحيد والتأسيس من تنامٍ في النعم، واستقرار في الأمن وتأمين للسبل، ومحبة وأخوة وتعايش سلمي بين كافة القبائل والعشائر والأسر والأقاليم، والحواضر والبوادي  . . فضلاً عن رغد العيش، وانتشار للعلم ونماء وتنمية ومدنية وحضارة واستقرار للبادية في هجر تم تحديد أماكنها وتهجيرها ومنها بلدة (قبة) وما حولها حيث أصبحت موطناً آمناً للبادية لاسيما من قبيلة (حرب) القبيلة العربية المشهورة أصالة وديانة وكرماً ووفاءً وإخلاصاً وخلقاً وأخلاقاً كغيرها من القبائل العربية الأصيلة في جزيرتنا العربية الأبية. .

ولا شك أن كل هذه الأمور كونت من شخصية العم/ سليمان ــ رحمه الله ــ وأفادته، وأكسبته مزيداً من الحنكة والكفاية والخبرة، ومحبة الناس له، وحبه للخير والإحسان والإصلاح، وأسهمت في إعداده إعداداً جيداً ووجاهته، وقوة علاقته مع كافة أبناء الأسر والعشائر والقبائل في الزلفي وقبة وما حولهما..

إذاً لا غرابة بناءً على هذا كله أن يكون لوفاته ــ رحمه الله ـ وفقده أثره كبير علينا وعلى محبيه كثير فقد كان أباً، وموئلاً، ومرجعاً وعمدة له مكانته واعتزازه واحترامه وتقديره، وهو البقية الباقية من أعمامنا وأبناء عمومتنا من كبار السنّ، فهو آخر الأعمام وفاة ــ رحمه الله ــ . . وقد بكيت لوفاته، وحزنت لموته ــ رحمه الله ــ فور إبلاغي بالخبر، وعلمي بذلك، لاسيما وكان إبلاغي وإيصال الخبر لي مفاجئاً وليس بطريقة تدريجية إنما عن طريق وسيلة التواصل الاجتماعي (الواتساب) من أحد الأقارب، ــ هداه الله ــ . .

وكنت أنوي وقتها الذهاب إليه في يوم الخميس 25/5/1440هـ (يوم وفاته) في مدينة الزلفي لزيارته والسلام عليه مستغلاً زيارتي السريعة العملية للملكة العرية السعودية قادماً من جمهورية باكستان الإسلامية حيث أعمل فيها رئيساً للجامعة الإسلامية العالمية لكن لم يتيسر ذلك نظراً لضيق الوقت وانشغالي ببعض الأمور المهمة، فآثرت أن اتصل عليه للسلام عليه وصلته والاطمئنان على صحته . . وحددت لذلك بعد صلاة الجمعة من اليوم التالي، حيث يجلس بعد الصلاة لاستقبال أولاده وأولادهم وأبناء الحمولة وجيرانه ومعارفه وأصحابه وأصدقائه وضيوفه جرياً على عادته إذا كان موجوداً في الزلفي حيث لديه جلسة معتادة بعد صلاة كل يوم جمعة يتبعها تناول طعام الغداء على مائدته، وكذا لديه جلسة يومية بعد صلاة الفجر (شبّة) يقدم خلالها التمر والقهوة والحليب والشاي وما تيسر لديه من المأكولات يرتاده أولاده وأقاربه وجيرانه وأصحابه ومعارفه . .

لكن الله ــ سبحانه وتعالى ــ أراد أن أحضر للزلفي مختاراً طائعاً يوم الجمعة من أجل الصلاة عليه وتوديعه والدعاء له وحمله إلى قبره على الأكتاف . . حيث أدينا عليه صلاة الجنازة في جامع الملك عبد العزيز ــ رحمه الله ــ في الحي الشمالي في مدينة الزلفي . . وحملناه إلى المقبرة من المسجد على الأكتاف توقيراً وتقديراً ولمكانته ومحبة الناس له، حيث صلّى عليه جمٌ غفير وانتظره في المقبرة جمع آخر للصلاة عليه والمشاركة في دفنه والدعاء له . . كما حزن لوفاته أحبته وأقاربه وأصحابه وجيرانه ورثوْهُ نثراً وشعراً وعددوا مآثره ومحاسنه وصفاته بل إن خطيب المسجد الجامع الذي يُصلي فيه في حَيّهِ الشيخ/ ناصر البديع ــ حفظه الله ــ قد خصص خطبة الجمعة يوم وفاته للحديث عن مآثره وما يحصل للأمة والمجتمع نتيجة موت الأولياء والعباد الصالحين وبخاصة من كبار السّن ممن عاشوا وماتوا على العقيدة الصافية، والفطرة السليمة، واستعدّوا للقاء الله بهم وسخّروا أنفسهم لعبادته وخدمة عباده . .  ــ غفر الله له ورحمه ــ . .

ونعم الميتة التي ماتها ــ يرحمه الله ــ وما أكرم حسن الخاتمة حيث لم يَتْعب أو يُتْعب أو يتألم أو يُقْعَد أو يُتردد به على الأطباء طلباً للشفاء أو يرقد في مستشفى بل بعد أن أدى دوره في هذه الحياة وأسهم في عمارة هذه الأرض بعطاءاته المتعددة وصلاحه وتقواه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإنجابه عدداً من الأولاد الصالحين . . قبض الله روحه الطاهرة فأراح واستراح . . وكان كثيراً ما يردد كما غيره من أهلنا وعشيرتنا (( من حيلنا إلى قبرنا)) . . وكان له ما أراد كرامة من الله وفضلاً ونعمة . .

وهكذا حال الصالحين والأولياء نسأل الله أن نكون منهم وأن يلحقنا بهم بعد عمر طويل في الفردوس الأعلى من الجنة، وأن نحشر في زمرة الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً . . كما نسأله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والموت بعد عمر طويل على الملة والفطرة السليمة، والعقيدة الصافية، والتوحيد الخالص.. اللهم آمين . .

أ. د. أحمد بن يوسف الدريويش

رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد

28/5/1440هـ

إسلام آباد ــ باكستان

TAGS
RELATED POSTS